السيد كمال الحيدري

311

دروس في التوحيد

وهكذا . فليس الشرّ إلّا إزهاق الروح وبطلان الحياة وهو عدميّ " « 1 » . هذه النظرية تعود إلى أفلاطون ، ثمّ صار الآخرون إلى تشييدها والبناء عليها في مختلف العصور . من الشهادات الدالّة على ذلك ما ذكره مؤلِّف " صراط الحقّ " ، في قوله : " ما نقل عن أفلاطون من أنّ الشرّ عدميّ ، والعدم لا يحتاج إلى علّة ، فالشرور الواقعة في العالم لا تقتضي فاعلًا حتّى يتكلّم فيه ، فبهذا يدفع جميع ما لزم الماديّين والثنوية " « 2 » . في هذا الضوء انتهى الفلاسفة إلى أنّ الوجود خير محض وأنّ العدم شرّ محض . فكلّ ما يطلق عليها شرور هي في الحقيقة ليست شروراً في ذاتها ، وإنّما تستحقّ وصف الشرّ لأنّها تؤدّي إلى إعدام وجود أو إعدام كمال وجود . فليست الجراثيم مثلًا شرّاً لنفسها وإنّما هي شرّ لمن تؤذيه ولمن تُفقِده حياته أو تضرّ بصحّته وتفقده سلامته . هكذا الحال بالنسبة إلى الفقر والمصائب والكوارث كالفيضانات ، كما يقال الشيء نفسه بشأن القوى التي تسمّى عند الإنسان بالقوى الشهوية والغضبية . فهذه تسمّى شرّاً باعتبار أنّها تواجه القوّة العاقلة عند الإنسان ، وتمنعه من أن يصل إلى كماله ، وإلّا فالقوّة الشهوية بما هي قوّة شهوية ليست نقصاً ولا شرّاً بالنسبة إلى الإنسان . فلو فقد الإنسان قوّته الشهوية أو الغضبية فإنّ هذا الفقد سيكون نقصاً في الإنسان ، وإنّما تتحوّل هذه القوّة إلى شرّ إذا منعت الإنسان من بلوغ كماله . قال الطباطبائي : " إنّ هذه المصائب إنّما هي سيّئات نسبية ، بمعنى أنّ الإنسان المنعَّم بنعمة من نعم الله - كالأمن والسلامة والصحّة والغنى - يعدّ واجداً ، فإذا فقدها بنزول نازلة وإصابة مصيبة كانت النازلة بالنسبة إليه سيّئة

--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 311 . ( 2 ) صراط الحقّ ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 166 .